سيد قطب

1183

في ظلال القرآن

الأضواء على حقائق المشيئة وحقائق الوجود الكوني وحقائق النفس البشرية ؛ والدوافع الظاهرة والخفية في حياة البشر . ومن التقريرات الشاملة عن سلطان اللّه في السماوات والأرض ؛ وفي الدنيا والآخرة ؛ وفي حياة البشر المستترة والظاهرة . . . بهذا الحشد كله يواجه المنهج القرآني ظاهرة واحدة من ظواهر الجاهلية في الأكل أو عدم الأكل من ذبيحة . . فما ذا ؟ . . إنها القضية الأساسية في هذا الدين . . قضية الحاكمية ولمن تكون . . . وبالتعبير المرادف . . قضية الألوهية والربوبية ولمن تكون . . ومن ثم تنال هذه الملابسة الجزئية كل هذا الاحتشاد والتجمع والاحتفال . . وبمثل هذا الاحتشاد وهذا الاحتفال وهذا التجمع يواجه كذلك مسألة النذور في الجاهلية من الثمار والأنعام . . والأولاد . . إن جاهلية العرب لم تكن تجحد اللّه البتة . ولم تكن تجعل معه إلها آخر يساويه ! ولكنها إنما كانت تجعل معه آلهة - من دونه - أقل منه منزلة ورتبة ! وكانوا يقولون : إنهم إنما يتخذون من هذه الآلهة شفعاء يقربونهم إلى اللّه . . وفي هذا كان شركهم . وبهذا كانوا مشركين ! وكان من شركهم كذلك أن يبتدعوا هم من عند أنفسهم - يقوم بذلك كهانهم ومشايخهم - شرائع وتقاليد في حياتهم ؛ ثم يزعمون أن اللّه شرعها لهم ، وأمرهم بها ! . . إنهم لم يكونوا من التبجح في الشرك بحيث ينسبون هذه الشرائع إلى أنفسهم ؛ ويدعون أن لهم هم سلطة الحاكمية العليا التي يصدرون بها الشرائع مستقلين عن سلطان اللّه ! لم يكونوا قد عرفوا بعد هذا التبجح الذي عرفه مشركو هذا الزمان ؛ ممن يدعون - من دون اللّه - السلطان . . وفي هذا كذلك كان شركهم ؛ وبهذا كانوا مشركين ! من هذه الشرائع والتقاليد التي ابتدعوها وزعموا أنها شريعة اللّه ما كانوا ينذرونه من الثمار والأنعام للّه سبحانه ولآلهتهم المدعاة ! ثم يتصرفون بعد ذلك على هواهم أو على هوى السدنة والكهنة « فما كان لشركائهم فلا يصل إلى اللّه ، وما كان للّه ، فهو يصل إلى شركائهم » ! ومنها ما كانوا ينذرونه من أولادهم للآلهة المزعومة ؛ وما كانوا يقتلونه من البنات اتباعا لعرف القبيلة ! ومنها ما كانوا يحجرونه من الأنعام ومن الزروع ؛ لا يطعمه إلا من شاء اللّه - وهم الذين يزعمون تحريمها ، وهم كذلك الذين يعينون من هم الذين شاء اللّه أن يطعموها ! ومنها ما كانوا يحرمون ركوبه من الأنعام . كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحامي « 1 » ! ومنها ما كانوا يمنعون أن يذكر اسم اللّه عليه من الذبائح . زاعمين أن هذا من أمر اللّه ! ومنها ما كانوا يخصصونه - من الحمل الذي في بطون الأنعام - للذكور منهم دون الإناث . إلا إذا نزل ميتا فيشارك فيه الإناث . . وكانوا يجعلون هذا حراما وذلك حلالا ! ومنه الميتة التي كانوا يحلونها ويقولون : ذبحها اللّه . فهي حلال بذبح اللّه ! والقرآن يواجه هذا كله بحملة كاشفة ؛ يحشد فيها من المقررات الأساسية في العقيدة ؛ والمشاهد والحقائق المؤثرة ؛ ما يحشده في مواجهة قضية الشرك والإيمان في سياق السورة كله . . لأنها هي هي بعينها قضية الشرك والإيمان ، في صورة تطبيقية واقعة . . ومن خلال هذه الحملة يتبين أن القضية هي قضية هذا الدين كما هي قضية هذه العقيدة . فهذه التشريعات

--> ( 1 ) يراجع تعريفها في سورة المائدة في الجزء السابع : ص 989 - 990 .